محمد جمال الدين القاسمي
393
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فذكره ابن عباس منبها على إرادته . لا أن الآية اختصت به . فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن . فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره ، فيحكيه قوله . وأما المثل الثاني ، فهو مثل ضربه اللّه سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبدون من دونه أيضا . فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق . بل وهو أبكم القلب واللسان . قد عدم النطق القلبي واللساني ، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة . وعلى هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير . ولا يقضي لك حاجة ، واللّه سبحانه حيّ قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم . وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد . فإن أمره بالعدل ، وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له ، راض به آمر لعباده به ، محب لأهله لا يأمر بسواه ، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل ، . بل أمره وشرعه عدل كله . وأهل العدل هم أولياءه وأحباؤه . وهم المجاورون له عند يمينه ، على منابر من نور . وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني . وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه . كما في الحديث الصحيح « 1 » : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل في قضاؤك . فقضاؤه هو أمره الكوني : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، فلا يأمر إلا بحق وعدل . وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل . وإن كان في المقضيّ المقدّر ما هو جور وظلم فالقضاء غير المقضيّ . والقدر غير المقدّر . ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم وهذا نظير قوله رسوله شعيب : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هود : 56 ] ، وقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها نظير قوله ( ناصيتي بيدك ) وقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ نظير قوله ( عدل فيّ قضاؤك ) فالأول ملكه . والثاني حمده . وهو سبحانه له الملك وله الحمد . وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل . فهو على الحق في أقواله وأفعاله . فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما به ولا يؤخذ بغير ذنبه . ولا ينقصه من حسناته شيئا . ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا . ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره . ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 / 391 والحديث رقم 3712 .